أحمد بن علي القلقشندي

112

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وليعمّر البلاد بتوطين أهل القرى ، وإنامتها بالعدل ملآنة الجفون من الكرى ، وليكن للفرات متيقّظا لئلا يطغى بها التّيّار ، ويغلب بمدّها المخمر على سكرها من السّكر الخمار ، ويقوى على سدّها قبل أن لا يقدر على مقاواة البحار ، ويتفقّد مبانيها فإنّها من أسنى ما تتفقّده الأبصار ، وليغلق زروعها لتكون : * ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه فَآزَرَه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) * ( 1 ) ، وليعفّ فإنّ العفاف هو الغنى ، وليؤمّن من يليه فإنّ الأمان هو المنى ، وليقرّ ما استقرّ بيننا وبين القوم من صلح أكَّدت أواخيه ، وأصبح كلّ من أهل الجانبين لا يفرّ من أخيه ، ولا يرخّص لأحد فيما ينقضه لا في عاجل أمر ولا في تراخيه ، حتّى إذا كشفت الحرب عن ساقها ، وشدّت عقد نطاقها ، فليكن بحسب مراسمنا الشريفة اعتماده في شنّ كلّ غارة ، وسنّ كلّ ماض مرهفا غراره ( 2 ) ، وجوس خلال ديار العدا واختطاف كلّ قمر من دارة ؛ والمحرقات ( 3 ) التي لا تحرق نباتا حتى تشبّ في ضلوعهم ، والعيّارة ( 4 ) فهي الزّلازل الَّتي تتساقط منها مباني ربوعهم ، وموالاة البعوث : فإنّ كلّ بعث يتكفّل بشتات جموعهم ؛ والعمل بكلّ ما ترد به مراسمنا العالية ، والمواصلة بكتبه الَّتي

--> ( 1 ) الفتح / 29 . ( 2 ) الغرار : حدّ السيف . ( 3 ) المحرقات : فرقة من الرجال تجهز لحريق زراعة ونبات أرض مخصبة ، وذلك بقصد إضعاف العدو . ( مصطلحات صبح الأعشى : 303 ) . ( 4 ) العيّار من الرجال هو الكثير التجوال والطواف والَّذي يتردد بلا عمل . وهو الَّذي يخلي نفسه وهواها لا يردعها ولا يزجرها . وقد ورد اللفظ في ابن خلدون : « حتى لا يبقى إلا الباعة والهمل من أهل الفلح والعيّارة وسواد العامة » . هذا وقد وجد في بغداد في العصر العباسي جماعة من مختلف الأوساط الشعبية أطلق عليهم اسم « العيارين » ، وكانوا عادة من الفقراء اللصوص وقطاع الطرق ، إلا أنهم يحملون مبادئ إنسانية مثالية لا توجد عند اللصوص العاديين . فالعيارون لا يعتدون على النساء ولا يسرقون الفقراء ، وإنما يسرقون أموال الأغنياء الذين امتنعوا عن أداء الزكاة . ولهم مواقف مشهودة في الدفاع عن بغداد . ( المعجم الوسيط : مادة « عير » . ومقدمة ابن خلدون : 669 والأعلاق الخطيرة - عن نفاضة الجراب - 3 / 930 - ملحق ) .